النويري

194

نهاية الأرب في فنون الأدب

فلما قرأ قيس كتابه ورأى أنه لا تفيد معه المدافعة والمماطلة أظهر له ما في نفسه ، فكتب إليه : « أما بعد ، فالعجب من اغترارك بي وطمعك فىّ ، واستسقاطك رأيي ، أتسومنى الخروج من طاعة أولى الناس بالإمارة ، وأقولهم بالحق ، وأهداهم سبيلا ، وأقربهم من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وسيلة ، وتأمرنى بالدخول في طاعتك ، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر ، وأقولهم بالزّور ، وأضلَّهم سبيلا ، ولد ضالين مضلين ، طاغوت من طواغيت إبليس . وأمّا قولك : إنّى مالئ عليك مصر خيلا ورجلا [ 1 ] ، فو اللَّه إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون أهمّ إليك إنك لذو وجد [ 2 ] ، والسلام . فلما رأى معاوية كتابه أيس منه ، وثقل عليه مكانه ، ولم تنجع حيله فيه فكاده ، من قبل علىّ ، فقال لأهل الشام : لا تسبّوا قيس بن سعد ، ولا تدعوا إلى غزوه ، فإنه لنا شيعة ، تأتينا كتبه ورسله ونصيحته لنا سرا ، ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل خربتا ، يجرى عليهم أعطياتهم وأرزاقهم ، ويحسن إليهم . وافتعل كتابا [ 3 ] عن قيس بالطَّلب بدم عثمان ، والدخول معه في ذلك ، وقرأه على أهل الشام . فبلغ ذلك عليا فأعظمه وأكبره ، ودعا ابنيه وعبد اللَّه بن جعفر فأعلمهم ذلك ، فقال ابن جعفر : يا أمير المؤمنين ، دع ما يربيك إلى

--> [ 1 ] في النجوم الزاهرة : « وأما قولك : معك أعنة الخيل وأعداد الرجال » . [ 2 ] كذا جاء في المخطوطة ، وجاء في الكامل وغيره . « إنك للوجد » والجد : الحظ . [ 3 ] انظر تاريخ الطبري ج 3 ص 554 والنجوم الزاهرة ج 3 ص 101 .